الأربعاء، 4 مارس 2009

تداعيات ديسية_سعيدالجريري


تداعيات ديسيَّة

سعيد الجريري

( 1 )

قيل في معنى (الديس) إنه جمع (ديسة) ، والديسة هي الغابة المتلبدة . ذكر ذلك الزبيدي في تاج العروس (مادة : د ي س) التي أهملها الجوهري في الصحاح ، وابن منظور في اللسان ، فإذا تأملنا التسمية وجدناها مرتبطة – جغرافياً – بتضاريس المكان ، ولذلك لا نستغرب أن يكون في حضرموت أكثر من ديس ، فهناك ديس المكلا ، وديس الحامي (أي الديس الشرقية) ، وهناك منطقة زراعية تسمى (الدييسة) بالتصغير .وأياً ماكان الأمر فإن وادي عمر غابات – برغم الجفاف – ممتدة في عناد يقاوم الظروف ، في اتجاهات شتى . وتكفيك إطلالة وأنت قادم من (شرقستان) على ربوة الشيشان أو الواسطة ، لترى عن يمين وشمال غابات النخيل في معايين الصيق ، وصنعة، والنويدرة، ونقداة بحرق ، وجرب الدِّيني ، ومعيان السادة ... وربما تراءت لك من بعيد غابات تويثنات وثوبان وغيرهما .

(2)

لست أدري لماذا تعود بي الذاكرة إلى سنوات الطفولة والصبا الأولى ، على سعفات النخيل ، وفي ظلال تعبق بشذى البيدان والزيتون والكزاب والليم والتين ( كان في الديس تين .. أذكر أنه في مجرى السيل منحدراً من الرضمة كانت هناك شجرة تين كبيرة .. أضحت اليوم جزءاً من تاريخ الزراعة في الديس !!) .وكانت التمور تفيض عن الحاجة ، وكانت هناك دروع ( لاعلاقة لها طبعاً بالعتاد العسكري والمعسكرات) ، يُبرَّح فيها التمر ، ثم تكون رزامة ، وكان هناك (رُبّ) – بضم الراء – وكانت فردة التمر كبيرة ، ومازال يرنُّ في مسمعي تساقط الرطب ، كانت التمرة تلتصق بالأرض ، فتنبسط محدثةً صوتاً له إيقاع خاص ، فإذا تأملتها رأيتها مصقولة على صفحة الأرض كالمرآة!!.وكنا صغاراً نفتح أعين صباحاتنا على رؤوس النخيل ، نجني رُطباً شهياً مختلفاً ألوانه ، وكان المحصول الوفير يقَّدر بالمكاييل وهو على الأعذاق ، في مايعرف بـ( الزَّهد) – بفتح الزاي – وكنت من الزاهدين مدوناً بالقلم مايقدره (العقَّال) من مكاييل ، تقدير خبرة وتجربة .وكانت سحابة نهارنا تمضي بنا بين المضالع والعروم والعتوم والسوام والصقاوع والمُطُر ( جمع مطيرة ) ، والغضاوب والمقاطف ( جمع مقطف) والخروج ( جمع خُرج ) والمراوض والمحافر والمحامل ، وكانت لنا قصص وحكايات مع كل حمار وشِعل ودابة .ولئن كان التمر أنواعاً : طيبات ، سقطراي ، نفوخي ، شوغلي ، قليزميات ، مُكّي ، بقال ( بقال الحُمُر ، بقال الصيق ، بقال باضواية ، بقال الديني .. ) ، فإن نوعاً من تلك الأنواع كانت له خصوصية .. التمرة منه غريبة فريدة ، وكانت جدتي الولوعة بالنخل والأغنام – رحمها الله – تسمي تلك النخلة العجيبة بـ( المنسَّلة ) ، ولا أعرف لتلك النخلة مثيلاً في غابات النخيل الحضرمية ، تمرتها كثلاث تمرات ، لونها مزيجٌ غريب مدهش من ألوان شتى ، بها خطوط ذهبية رفيعة – ياسبحان من أنشأ وصوّر ، – طعمها لا ألذ ولا أطيب !ولقد تهاوى جذعها ذات يوم ، فحزنت جدتي وحزنت ، وانقرض نسل تلك المنسِّلة فيا للمفارقة ! ، غير أن شيئاً من تلك النخلة ظل في نفسي شبيهاً بالغصة على فقدها ، حتى إذا كنت في بعض الأسواق الشعبية في بغداد ، ذات صيف ، التمع في ناظري تمر من جنسها ، التمرة كثلاث تمرات ، لونها مزيج غريب مدهش من ألوان شتى ، بها خطوط ذهبية رفيعة – ياسبحان من انشأ وصوّر –. دنوت منها كالملهوف المذهول ، طعمها لا ألذ ولا أطيب ! ، فتمنيت لو أن لجدتي تمرتين تذهبان بعضاً من حزنها على نخلتها الراحلة !.

(3)

إن ذاكرة النخيل هي ذاكرة القروي أينما ذهب ، حتى لو نُفي إلى صقيع سيبيريا ستظل غابات النخيل شاخصة أمامه لا تغيبها جبال الثلوج ، ولا يبرد حرارة جوها الجليد والصقيع ، بل سيجد في كلمة (صقيع) ضالته الريفية ، وسيذكر (الصقاوع)!!. أليست جمعاً لـ(الصقيع ). ؟ومثلما وقف تهاوي جذع المنسِّلة غصة في حلق جدتي وحلقي ، فإن غابات الديس التي سوغت تسميتها المباركة ، ولم تعد كذلك ، تقف غصة في كل حلق ، إذ لم يبق لنا إلاّ أن نلوذ بالذكريات وتداعياتها .وأخشى ألاّ يبقى من دلالة التسمية إلاّ ماهو سلبي ، لأن مفرد الغابات غابة ، وقد تُجمع على (غاب) ، وهناك شريعة مظلمة تعرف بشريعة الغاب !!إن بالديس توقاً إلى أن تخضرّ قلوب أبنائها قبل أشجارها ، فتورف ظلال المحبة والألفة ، والتآلف والتآزر ، والاجتماع على كل مايعيد للديس مجداً توارى ، وإن بها توقاً إلى أن تختفي الدلالات السالبة، فلا تفرق أهليها الأهواء وتداعياتها .لقد كان للأرض عبقٌ ، يوم كانت للديس غابات من نخيل ، وأشجار مثمرة ، وقلوب خضراء مورقة .ذاك ماينبغي ، قبل أن نرانا كأولئك الفتية في خزان أبي الخيزران في رواية ( رجال في الشمس ) لغسّان كنفاني ، وأخشى أن يقال لنا ذات يوم ، كما قال أبو الخيزران بعد أن قضى الفتية : ( لماذا لم تقرعوا الخزان ) ؟!!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق